إنَّ العلاقة السببية هي أحد العناصر المكوَّنة للركن المادي لقيام أي جريمة ، فالجريمة تقوم على ثلاث أركان ، الركن القانوني و هو نص التجريم و الركن المادي المتمثل في بالسلوك الجرمي، و الركن المعنوي المتمثل بالقصد الجرمي، و الركن المادي يقوم على ثلاثة عناصر و هي الفعل و النتيجة و علاقة السببية.
حديثنا في هذه المقالة يتمحورُ حولَ العلاقة السببية في القانون الجنائي تحديدًا.. و التي تمَّ ذكر أهم الأفكار الرئيسية فيها من كتاب التشريع الجنائي الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي.
نتطرق أولًا إلى الأفعال المتصلة بالجريمة و علاقتها بالمسؤولية الجنائية:
الأفعال المتصلة بالجريمة لا تعدو بأن تكون فعلًا من ثلاثة : فهي إما مباشرة ، و إما سبب ، و إما شرط ، و التمييز بين هذه الأفعال ضروري للتمييز بين الجاني و غير الجاني.
١- المباشرة: هي ما أحدث الجريمة بذاته دون واسطة و كان علة للجريمة، كذبح شخص بسكين، فإنَّ الذبح يُحدث الموت بذاته! و هو في الوقت نفسه علة للموت .
٢- السبب: هو ما أحدث الجريمة لا بذاته بل بواسطة ، و كان علة للجريمة، كحفر بئر في طريق المجني عليه و تغطيتها بحيث إذا مرَّ عليها سقط فيها و جُرِح أو مات ، فالحفر هو علة الموت أو الجرح ، و لكن الحفر لا يُحدِث الجرح أو الموت بذاته ، إنَّما يحدثه بواسطة سقوط المجني عليه في البئر .
و السبب ثلاث أنواع :
سبب حسَّي : و هو ما يولد المباشرة توليدًا محسوسًا مدركًا لا شك فيه ، سواء كان السبب معنويًّا أو ماديًّا ، كإطلاق حيوان مفترس على المجني عليه بقصد قتله فيفترسه الحيوان، و سبب شرعي: و هو ما يولد المباشرة توليدًا شرعيًّا ، أي أساسه النصوص الشرعية ، كشهادة الزور بالقتل و السرقة فإنَّها تولد في القاضي داعية الحكم بالموت على القاتل و القطع على السارق ، و تنفيذ الحكم يؤدي إلى مباشرة الموت و القطع.
أمَّا السبب العُرفي: و هو ما يولد المباشرة توليدًا عرفيا لا حسيًّا و لا شرعيًّا و هو ما أقرَّه عرف الناس و قبلته عقولهم، كترك الطعام المسموم في متناول الضيف ، و كالقتل بوسيلة معنوية مثل الترويع و التخويف و السحر.
الفعل الأخير من الأفعال المتصلة بالجريمة هو الشرط: و هو ما لا يحدِث الجريمة و هو علة لها ، و لكن وجوده جعل فعلًا آخر محدِثًا للجريمة و علة لها ، و مثل ذلك أن يلقي إنسان بآخر في بئر حفره ثالث لغير غرض القتل فيموت الثاني ، فإنَّ ما أحدث الموت و كان علة له هو الإلقاء في البئر لا حفر البئر ، و لكن الإلقاء ما كان يمكن أن يكون له أثره الذي حدث لولا وجود البئر، فالبئر هنا شرط لحدوث الجريمة .
ولأنَّ حيثيات الأفعال المتصلة بالجريمة متباينة بطبيعة الحال فإن تحمّل المسؤولية يكون فيه تباين أيضًا.
في الغالب صاحب "الشرط" لا مسؤولية عليه لعدم توفر القصد الجنائي والذي يشكل ركن من أركان الجريمة "الركن المعنوي" لأنَّ فعله ليس هو بذاته علة للجريمة أو سبب لوقوعها فهو فعل مستقل ويمكن أن يبقى مستقلا لولا اشتراطه مع حادثة جنائية لم يكن ينوي فعلها أو التسهيل لها، وهذا يعني أنه متى ثبت أنَّ حافر البئر مثلًا كان ينوي القتل أو التسهيل للجريمة قامت مسؤوليته الجنائية.
على العكس مع صاحب المباشرة والمتسبب فكلاهما مسؤول عن فعله لأنه علة للجريمة ولا يمكن تحدث الجريمة بدونه،
ومع كون الفعل المباشر والمتسبب متساوين من ناحية تحمل المسؤولية إلا أنَّ الشريعة الإسلامية فرقت بين العقوبتين المقررة لكل منهما، لأن القاعدة في جرائم الحدود أن عقوبة الحد لا تجب إلا على مباشِر، ويعاقب المتسبّب بعقوبة تعزيرية.
نستخلص من هذا أن الرابطة السببية شرط لمسؤولية الجاني عن الجريمة التي تنسب إليه، وأن يكون بين الفعل الذي اتاه والنتيجة التي يسأل عنها رابطة سببية تتمثل إما بالمُباشَرة أو بالتسبب.
غير أن اثبات الرابطة السببية سهل وجليّ عند ارتكاب الجاني للفعل المباشر، ولكن يصعب الاثبات عند اتيانه للفعل المتسبب حيث لا يتصل الفعل اتصالا مباشرا بنتيجته، فقد تتعدد العلل أو يطول الزمن بين الفعل والنتيجة وتتوالد الاسباب.
الحاصل عند إثبات الرابطة السببية عند تعدد العلل أنَّ القاعدة تقول أنَّ الجاني يُسأل عن نتيجة فعله إذا كان فعله وحده هو علة النتيجة، أو كان لفعله إذا نظر اليه منفردا عن غيره دخل في إحداث النتيجة فالجاني مسؤول عن نتيجة فعله
مما يعني أنه لو تعرض شخص لإصابات من عدة أشخاص وكانت الإصابات أفحش من بعض، فإن الجاني الذي أحدث أبسط الإصابات مسؤول عن القتل العمد ما دامت إصابته مهلكة بذاتها أو لها دخل في القتل على انفرادها ،كما أنه لا عبرة بعدد الإصابات التي يحدثها كل جانِ، ولا يُسقط اهمال المجني عليه علاج نفسه من الإصابة مسؤولية الجاني عن القتل العمد طالما أنّّ فعله مهلك بذاته أو كان له منفردًا دخل في احداث النتيجة.
أما عند انقطاع فعل الجاني بفعل آخر يتغلب عليه ويقطع عمله فلا يُسأل عن النتيجة، ويسأل عن الفعل فقط، كأن يجرح انسان جرحا قاتلًا قاصدًا قتله ثم يأتي شخص ثالث ويقطع رقبة الجريح، هنا الذي قَطَع هو القاتل والذي جرح يعد جارح لا قاتل، لأن فعله انقطع عمله وانقضى أثره بفعل الثالث.
يزداد التعقيد وصعوبة إثبات الرابطة السببية عند مسألة توالد العلل والأسباب، وهي المسألة التي تنشأ فيها ظروف في المدة بين الفعل والنتيجة من شأنها أن تغير نسبة تحمل المسؤولية مثل أن يجرح الجاني المجني عليه جرحًا قاتلًا وبقصد قتله فيُنْقَل الأخير الى المستشفى ويحدث حريق في المستشفى ويموت المجني عليه جرّاء الحريق، فهل يسأل الجاني عن الموت باعتبار أنَّ الجرح الذي أحدثه سبَّبَ نقل المجني عليه إلى المستشفى وموته في المستشفى محترقًا؟ أم أنه يُسأل عن الجرح فقط؟
ولحل هذه الصعوبات يفرق الفقهاء بين ثلاثة أنواع من العلل والأسباب:
١- العلل والأسباب الحسية: وهي العلل التي تتولد عنها النتائج توليدًا محسوسا مدركًا لا شك فيه ولا خلاف عليه، بغض النظر عن كون النتيجة قد تولدت من سلسلة علل كانت العلة الأولى (فعل الجاني) سببا لها، فكلما كان فعل الجاني علة محسوسة ومدركة للنتيجة فهو مسؤول عن النتيجة.
٢- العلل والأسباب الشرعية: وهي العلل والأسباب التي تولد نتائج يُسأل عنها الجاني بمقتضى النصوص الشرعية، كاعتبار شاهد الزور في جريمة القتل قاتلًا للمحكوم عليه، وهذا النوع من العلل يتحمَّل الجاني نتيجته التي ترتبها عليه النصوص مهما بَعُدت النتيجة وضعفت صلة السببية بين النتائج والفعل.
٣- العلل والأسباب العرفية: وهي العلل التي يحتكم فيها إلى العرف فيما إن كانت تعد كافية لقيام المسؤولية اتجاه النتيجة أم لا، وحكم هذه العلل أنَّ الجاني يتحمل النتيجة مهما توالدت العلل والأسباب إذا كان العرف يقضي بتحملها، ولا يُسأل الجاني عن النتيجة إذا كان العرف يمنع مسؤوليته عن النتيجة،
فمثلا عند مثال حريق المستشفى الذي ذكرناه لا يتحمل الجاني مسؤولية النتيجة، ولو أن موت المجني عليه جرَّاء الحريق كان نتيجة تواجده في المستشفى الذي نُقِل إليه بسبب الجرح الذي أحدثه الجاني، لأنَّ العرف لا يَعتبر الجاني قاتلًا في هذه الحالة.
ذكرنا أنه لا يُثار أي إشكال في علاقة السببية بين السلوك الإجرامي و النتيجة ، إذا كان الفعل الذي أتاه الجاني هو سبب تحقق النتيجة كأن يطلق الجاني النار على المجني عليه فيرد به قتيلا ، فإنّ السبب في مثل هذه الحال بين السلوك الإجرامي المصدر الوحيد و النتيجة واضحة لا غموض فيها . و لكن الإشكال يُثار إذا تداخلت أسباب أخرى في إحداث النتيجة الضارة إلى جانب نشاط الجاني ، و قد تكون هذه الأسباب سابقة على الفعل الجرمي مثل اعتلال صحة المجني عليه ، و قد تكون معاصرة للفعل الجرمي مثل اعتداء آخر على المجني عليه في نفس الوقت الذي يحصل الاعتداء من الجاني، وقد تكون تلك الأسباب لاحقة للفعل الجرمي كأن يطلق الجاني عيارًا ناريًّا يصيب به المجني عليه الذي لا يُقتل على الفور بل بتراخي الموت لفترة طويلة قد تتدخل فيها عوامل أخرى مثل خطأ الطبيب في علاج المجني عليه أو إهمال هذا الأخير في العلاج ، الأمر الذي يُثير التساؤل عن الدور الذي لعبته هذه العوامل في إحداث النتيجة و بالتالي تأثيرها على علاقة السببية بين الوجود و العدم.
و قد قيل في هذا الخصوص عدة نظريات، و تعتبر النظريات الألمانية في السببية نموذجًا لأحدثها، و لذلك سنكتفي بعرضها :
أول النظريات الألمانية هي نظرية السبب الأقوى أو السبب الفعَّال، و فيها يُسأل الجاني عن النتيجة إذا كان فعله هو السبب الأساسي في إحداثها، و لو كانت هناك عوامل أخرى ساعدت على إحداث النتيجة، لأن هذه العوامل تعتبر شروطًا لا أسبابًا لها، أما إذا قام أحد هذه العوامل بالدور الأول في إحداث النتيجة فإن النتيجة تُنسب إليه، أُخِذَ على هذه النظرية أنها تقوم على المفاضلة بين العوامل من حيث قوتها و ضعفها.. ظهرت بعد ذلك نظرية ثانية هي نظرية التعادل أُريدَ منها معالجة عيب النظرية الأولى ، فأصحابها لا يفاضلون بين بين العوامل بل يضعونها جميعًا في مستوى واحد ، و عندهم أنَّ فعل الجاني هو العامل الأول الذي سبب النتيجة و لولاه لما حدثت، فهو مسؤول بغض النظر عن العوامل الأُخرى، و قد أُخذ عليها أنَّها تحمِّل الجاني النتيجة رغم انقطاع فعله بفعل آخر أدى دون شك لحدوث النتيجة.
أخيرًا أحدث هذه النظريات هي نظرية السبب المُلائم ، التي تقوم على الأساس الذي قامت عليه نظرية التعادل ، و لكنها لا تحمل الجاني المسؤولية عن النتيجة إلا إذا اعتبر فعله سببًا ملائمًا لإحداث النتيجة، و يعتبر ملائمًا إذا كان كافيًا لإحداث النتيجة طبقًا لما تعارف عليه الناس.
و نظرية السبب الملائم تقوم على نفس الأُسس التي تقوم عليها النظرية الإسلامية، و لعل أهم فرق أنَّ النظرية الإسلامية سبقت الألمانية بثلاثة عشر قرنًا ، و أنَّ النظرية الألمانية تولدت عن نظريات أخرى كانت تتطور مرة بعد أخرى، لتأخذ بما يتفق مع الشريعة الإسلامية و تتخلص مما يخالفها .
نستخلص مَّا سبق نظرية السببية في الشريعة الإسلامية ، و هي أنَّ الجاني لا يُسأل عن نتيجة فعله إلا إذا كان بين الفعل و النتيجة رابطة السببية، فإذا توفرت هذه الرابطة كان الجاني مسؤولًا عن نتيجة فعله و إذا انعدمت بين الفعل و النتيجة أو قامت ثم انقطعت قبل تحقق النتيجة ، فإن الجاني يُسأل فقط عن فعله و لا يُسأل عن نتيجته.
كتابة: فاطمة حلاوة، مودة السلمي
تعليقات
إرسال تعليق