التخطي إلى المحتوى الرئيسي

التعويض عن الضرر المعنوي

 

 بعد سنوات من الخلاف الفقهي القانوني حول إمكانية التعويض عن الضرر المعنوي، وانقسامهم ما بين ممانع يرى بعدم جواز التعويض، وما بين مجيز يرى بمشروعيته. جاء نظام المعاملات المدنية الجديد ليحسم هذا النزاع، ويقرر في المادة الثامنة والثلاثين بعد المائة منه أن التعويض عن الفعل الضار يشمل: التعويض عن "الضرر المعنوي" وهو كما أشار في الفقرة الثانية من نفس المادة :"كل ما يلحق الشخص ذا الصفة الطبيعية من أذى حسي أو نفسي ،نتيجة المساس بجسمه أو بحريته أو بعرضه أو بسمعته أو بمركزه الاجتماعي".

 وله صورتان إما أن يكون ضررًا معنويًا صرفًا كأن يتعرض أحدهم للسب والشتم فهذا ضررٌ نفسي معنوي أدبي لم يخلف أثراً ماديًا ملموسًا، وإما أن يكون ضررًا معنويًا مصحوبًا بضررٍ مادي وهو الضرر المختلط، مثل: الاعتداء على حق الملكية الأدبية؛ فهذا الفعل يترك في نفس الشخص الألم والأذى بجانب الأضرار المادية التي قد تصيبه من جراء ذلك. وقد جرى غالب عمل المحاكم قبل صدور نظام المعاملات المدنية الجديد على الامتناع عن الحكم بالتعويض للضرر المعنوي الصرف، ومما استندوا إليه في تسبيب امتناعهم هو عدم إمكانية تقدير الضرر المعنوي وبالتالي صعوبة تقدير التعويض المادي، وقد ترك نظام المعاملات المدنية الجديد أمر تقديره للمحكمة على أن تراعي في ذلك نوع الضرر المعنوي وطبيعته وشخص المتضرر.

وقد نصت المادة التاسعة عشرة بعد المائة من نفس النظام على أنه: "لا تخل المسؤولية المدنية بالمسؤولية الجزائية، ولا تأثير للعقوبة في تحديد نطاق المسؤولية المدنية وتقدير التعويض" أي أنه يترتب عن الفعل الواحد المسؤوليتان معًا جنائيًا ومدنيًا. ومن إحدى غايات إقرار المسؤولية الجنائية حماية المصلحة العامة، وهي مصلحة المجتمع، في حين تبقى الغاية من إقرار المسؤولية المدنية هي حماية لمصلحة خاصة، وهي مصلحة الطرف المتضرر. ومعلومٌ بين فقهاء الشريعة والقانون على أن من اتصف بصفتين يحاسب مرتين، وإيقاع العقوبة الجنائية لا يحول دون المطالبة بالتعويض المادي عن الضرر المعنوي أو الأدبي ولم يتطرق المنظم لشروط التعويض عن الضرر المعنوي غير أنها لا تختلف في واقع الحال عن شروط التعويض للضرر المادي ويمكن تلخيصها في التالي:

١- أن يكون الضرر المعنوي شخصيًا لمن يطالب بتعويضه، يقول الدكتور حسين عامر في هذا السياق: "إن الضرر الأدبي ضرر شخصي بحت، وللمجني عليه وحده مطلق التقدير في المطالبة به أو تركه وليس لشخص آخر أن يطالب بتعويض عن ضرر أدبي أصاب غيره". ونشير إلى أن المنظم السعودي أجاز انتقال حق التعويض إلى الغير "الورثة" إذا تحددت قيمته بمقتضى نص نظامي أو اتفاقي أو حكم قضائي، وقد قُرر هذا في المادة الثامنة والثلاثين بعد المائة في الفقرة الثالثة منها.

٢-أن يكون الضرر المعنوي محققًا وليس محتمل الوقوع أي أن يكون موجودًا أو ثابتًا وحالًا بشكل مؤكد ولا يتصور التعويض عن أضرار لم تقع بعد.

٣-أن ينطوي الضرر على إخلال بمصلحة أدبية مشروعه للمتضرر أو حق ثابت له كحق الإنسان في الحياة وفي سلامة أعضائه.

٤-ألا يكون الضرر قد سبق التعويض عنه.

 ويقع عبء إثبات الضرر المعنوي على المتضرر، فالقاعدة الفقهية تقول: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر".

ولا تُسمع دعوى التعويض الناشئة عن الفعل الضار بانقضاء (ثلاث) سنوات من تاريخ علم المتضرر بوقوع الضرر وبالمسؤول عنه، وفي جميع الأحوال لا تُسمع الدعوى بانقضاء(عشر)سنوات من تاريخ وقوع الضرر كما نصت على ذلك المادة الثالثة والأربعين بعد المائة من نفس النظام.

 

 

بقلم :هاجر يحيى نجعي - رغد الحركان 


المراجع: -قانون المسطرة المدنية، ويكي جامعة-الضرر الأدبي والتعويض عنه، محمد محمود-مسؤولية الإدارة عن الضرر المعنوي في القانون العراقي، إسماعيل البديري- مقال التعويض المعنوي في النظام السعودي للمحامي نايف بن محمد الربيعان-التعويض عن الضرر المعنوي للدكتور عبدالملك بن عبدالمحسن العسكر-نطاق التعويض عن الضرر الأدبي في القانون المدني الأردني (دراسة مقارنة)-التعويض عن الضرر الأدبي (دراسة مقارنة) رسالة ماجستير باسل محمد يوسف قبها


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلاقة السببية في القانون الجنائي

حدِّد القانون ما يشكل سلوكًا إجراميًا بناءً على معايير معينة، وأهمها أن لكل جريمة أركانها ،وإذا فقدت أركانها فلا يمكن اعتبارها جريمة يُعاقبُ عليها.   إنَّ العلاقة السببية هي أحد العناصر المكوَّنة للركن المادي لقيام أي جريمة ، فالجريمة تقوم على ثلاث أركان ، الركن القانوني و هو نص التجريم و الركن المادي المتمثل في بالسلوك الجرمي، و الركن المعنوي المتمثل بالقصد الجرمي، و الركن المادي يقوم على ثلاثة عناصر و هي الفعل و النتيجة و علاقة السببية.  حديثنا في هذه المقالة يتمحورُ حولَ العلاقة السببية في القانون الجنائي تحديدًا.. و التي تمَّ ذكر أهم الأفكار الرئيسية فيها من كتاب التشريع الجنائي الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي.  نتطرق أولًا إلى الأفعال المتصلة بالجريمة و علاقتها بالمسؤولية الجنائية:  الأفعال المتصلة بالجريمة لا تعدو بأن تكون فعلًا من ثلاثة : فهي إما مباشرة ، و إما سبب ، و إما شرط ، و التمييز بين هذه الأفعال ضروري للتمييز بين الجاني و غير الجاني.  ١- المباشرة: هي ما أحدث الجريمة بذاته دون واسطة و كان علة للجريمة، كذبح شخص بسكين، فإنَّ الذبح يُحدث الموت بذات...

التدريب في مكاتب المحاماة للطلبة.

    (الشي الوحيد الي أندم عليه إنّي ما أتدربت في المكاتب وأنا طالب، فجيّدٌ منكِ إنّك قاعدة تبحثي وتحاول تتدربي قبل تتخرجي) عبارة قيلت لي من قبل محامٍ في مقابلة شخصية على فرصة تدريبية في مكتب محاماة، لم يكن يعلم عن شعور الندم الخفي في داخلي لعدم بحثي المبكر عن مكاتب محاماة لأتدرب فيها كطالبة، ولو عدت بالزمن لبدأت بالتدرب وأنا في أول مستوى لي في المرحلة الجامعية، لذا ارتأيت أن أكتب مقالة شاملة عن التدريب في مكاتب المحاماة للطلبة، وأنوه هنا على أن التدريب الذي أعني به ليس التدريب التعاوني الذي يكون تابعًا لمادة البحث والتدريب في الخطة الجامعية، إنما أعني به التدريب (التطوعي) أي برغبة الطالب وحده فقط. بسم الله الرحمن الرحيم بادئ ذي بدء كلّ ما هو مطروح هنا مبنيٌّ على تجربة شخصية ورأي شخصي، أي ليست معلومات قطعية تخضع لأحكام الخطأ والصواب، إنّما هي سرد لتجربة ونصيحة، أبتغي بها إفادة طالب القانون والشريعة على وجهٍ خاص. إنّ التصور الشائع عن مكاتب المحاماة أنّ فيها شيءٌ من التجبّر اتجاه الطالب، وشيءٌ من الاستغلال والاستنقاص، وقليلي التعاون معهم، ولكن هل التصور الشائع يمثّل الواق...