(الشي الوحيد الي أندم عليه إنّي ما أتدربت في المكاتب وأنا طالب، فجيّدٌ منكِ إنّك قاعدة تبحثي وتحاول تتدربي قبل تتخرجي)
عبارة قيلت لي من قبل محامٍ في مقابلة شخصية على فرصة تدريبية في مكتب محاماة، لم يكن يعلم عن شعور الندم الخفي في داخلي لعدم بحثي المبكر عن مكاتب محاماة لأتدرب فيها كطالبة، ولو عدت بالزمن لبدأت بالتدرب وأنا في أول مستوى لي في المرحلة الجامعية، لذا ارتأيت أن أكتب مقالة شاملة عن التدريب في مكاتب المحاماة للطلبة، وأنوه هنا على أن التدريب الذي أعني به ليس التدريب التعاوني الذي يكون تابعًا لمادة البحث والتدريب في الخطة الجامعية، إنما أعني به التدريب (التطوعي) أي برغبة الطالب وحده فقط.بسم الله الرحمن الرحيم
بادئ
ذي بدء كلّ ما هو مطروح هنا مبنيٌّ على تجربة شخصية ورأي شخصي، أي ليست معلومات
قطعية تخضع لأحكام الخطأ والصواب، إنّما هي سرد لتجربة ونصيحة، أبتغي بها إفادة
طالب القانون والشريعة على وجهٍ خاص.
إنّ التصور الشائع عن مكاتب المحاماة أنّ فيها شيءٌ من التجبّر اتجاه الطالب، وشيءٌ
من الاستغلال والاستنقاص، وقليلي التعاون معهم، ولكن هل التصور الشائع يمثّل
الواقع فعلًا؟
كطالبة دخلت سبعة مكاتب محاماة خلال دراستها الجامعية، وطرقت أكثر من خمسة عشر
بابًا، فإنّي أقول بأنّ التصور الشائع هذا
بعيدًا عن الواقع، بل على العكس الأكثر يبتغي إفادة الطالب بلا مقابل، وقد تختلف
طبيعة هذه الفائدة باختلاف سياسة التدريب المتبعة، فبعضها قد تكون فائدة يسيرة والبعض
الآخر جليلة، إلّا أنّ مجرّد (إرادة المحامي) بتدريب الطالب وإفادته تعتبر نعمة
لهذا الطالب، وهذه الإرادة متواجدة لدى الكثير من المحاميين والمحاميّات، فعلى
الطالب تعلم اغتنام هذه الإرادة.
وقد أفردت ورقتي هذه على محورين، المحور الأول كيفية إيجاد مكاتب محاماة للتدريب، والمحور الثاني مخرجات التدريب.
المحور
الأول: كيفية إيجاد مكاتب محاماة:
أولًا: متابعة
حسابات إعلانات التوظيف والتدريب القانونية على تويتر وتلجرام.
ثانيًا: التقديم الإلكتروني، ويكون عن طريق إرسال رسائل بريد إلكتروني وواتس أب
لمكاتب المحاماة بطلب التدريب مع توضيح كونك طالب، ويمكنك إيجاد مكاتب المحاماة الموجودة
في منطقتك من خلال موقع الهيئة السعودية للمحاميين.
ثالثًا: التقديم اليدوي، وهو أن تذهب بنفسك لمكاتب المحاماة وتخبرهم برغبتك بالتدرب،
والأفضل (ليس إلزاميًّا) أن تحمل معك سيرتك الذاتية وسجلّك الأكاديمي.
رابعًا: ملازمة الصحبة الصالحة من زملاء التخصص.
ابتدأتُ رحلة التدريب في مكاتب المحاماة وأنا في المستوى الخامس تقريبًا إلّا
أنّها لم تكن رحلة تدريب مستمرة بل متقطعة، وكانت بدايتي بالطريقة الرابعة، بفضل
الله ثم زميلة لي في التخصص، أخذت بيدي لأوّل مكتب محاماة لأتدرب فيه، وكانت ذا
سعي دؤوب في البحث عن مكاتب المحاماة، فكلما وجدت فرصة كنت معها، حتى انتقلت
لمدينة ثانية، فأصبح لابد من البحث عن مكتب بنفسي، فانتهجت نفس طريقتها في البحث بإرسال
رسالة بطلب تدريب للمكاتب، ومن بين ما يقارب الـ 20 رسالة استقبلني احدى المحاميين
ووافق على تدريبي في المكتب، إلّا أنّ هذه الطريقة لا تُؤتي أكُلها في كلّ حين،
فارتأيت طريقة التقديم اليدوي، فبدأت بطرق أبواب المكاتب وأعرّف بنفسي كطالبة ترغب
بالتدريب التطوعي، ولم يكن في تصوري أبدًا بأن أُقبل من أوّل مكتب أطرقه، كنت أعي
بأنّ البحث لن يكون يسيرًا، وفي النفس الوقت لن يكون عسيرًا، كنت أطرق باب أيّ
مكتب أراه أمامي، محملة بالكثير من مشاعر التحرّج والتخوف، منهم من يعتذر منّي
برفق ومنهم من يخبرني بأن أُرسل طلبي عبر البريد الإلكتروني، وكانا كلاهما سيّان
بنظري، كلاهما رفضًا، حتّى استجمعت شجاعتي لأطرق باب مكتب كنتُ أتمنّاه فعلًا،
وكنتُ أرى أنّه من شبه المستحيل أن أحصل على فرصة فيه، ولكن في أيّ خطوة أريد أن
أخطوها كنتُ أسأل نفسي (ما دية الخطوة هذه؟) إن لم يكن لها دية فإني أتجاهل كل ما
أشعر به وأتقدّم لها، وبهذه الطريقة تكوّنت شجاعتي، صقلت مهاراتي الاجتماعية، وأصبحت
إنسانة مُقدِمة بكلّ ما تعنيه الكلمة، ذهبت إلى هذا المكتب وطرقتُ بابهم واستقبلني
المحامي المدير لديهم، وفي اليوم التّالي في الساعة العاشرة صباحًا بدأت رحلة
التدريب معهم، استمرت لمدة 3 أشهر، وما زال بابهم مفتوح لي دائمًا، وفي نفس الوقت التي
بدأت به بالتدريب لديهم تواصل معي أحد المكاتب التي ذهبت إليها، واستقبلني
المحامي ورحّب بي وأشاد عليّ، وعلمت بعدها بأنّي أوّل طالبة متدربة لديهم، فكنت
خلال آخر مستوى دراسي لي أتدرب في مكتبين، من أفضل مكاتب المحاماة في جدة، ثمّ
أصبحت ثلاث مكاتب، في ترم واحد، ومدة البحث أخذت منّي يومًا فقط، وكلّ ما يتطلبه
الأمر هو (الشجاعة والإقدام )، وركن مشاعر الخجل والخوف جانبًا.
فتصوّر معي، خلال ترمٍ واحد استطعت أن أتدرّب لدى ثلاث مكاتب محاماة، فماذا إن بدأت مرحلة التدريب من ثانٍ مستوى دراسي لك، في كل ترم تتدرب لدى مكتب أو مكتبين
بحسب ما تقتضيه طبيعة التدريب وجدولك الدراسي، فضلًا عن اغتنام أوقات الفراغ في الإجازة الصيفية، فكيف ستكون المخرجات التي ستتخرج
بها؟ هل ستكون بنفس المخرجات للطالب المتخرّج الذي لم تخطو قدميه أيّ عتبة باب
مكتب قط ؟
المحور
الثاني: مخرجات التدريب:
تختلف الفائدة
(المخرجات) باختلاف السياسة التدريبية للمكتب، فقد ذكرت سابقًا بأنّي دخلت سبعة مكاتب، استمريت
لمدة شهر وأكثر في خمسة منها، من كلّ مكتب أخذت فائدة، إلا أنّ الفائدة الحقيقية كانت
من ثلاثة مكاتب من بين السبعة فقط، فلا بد من التنويه بعدم رفع سقف التوقعات دائمًا، فمن
المحاميين من يُصوّر لك بأنّك لن تخرج من عنده إلا وأنت ملمّ بكلّ أعمال المحاماة،
وستكتسب معه جميع المهارات، وسيشبعك بالآمال والتوقعات، لكن الحقيقة ستكون عكس ذلك
تمامًا، فمنهم من وعدنا بالكثير، لكن كان وعدًا ليومٍ واحد فقط، ولم نسمع منه شيئًا
بعدها، ومنهم من ستقضي عنده عدّة ساعات في المكتب بلا عمل تعمله، وبلا فائدة تذكر،
فإن وجدت الحال هكذا فابدأ بالبحث عن مكتب آخر، ولا تترك المكتب حتى تجد غيره، فوجودك
في محيط العمل وإن كنت بلا عمل مفيدا بحدّ ذاته، وتشاغل بنفسك، اقرأ في السوابق
القضائية وحلّلها، اطلع على ملفات القضايا لدى المكتب، وأقول قول الحضارم (إن
غلبونا بالفلوس سنغلبهم بالجلوس) أي بالصّبر والدأب حتّى نصل موصلنا، وسنصل، بعون الله.
كما أنّ العبء الأكبر في استجلاب الفائدة يقع على عاتق الطالب نفسه لا المحامي
المدرب، فالمحامي حقيقة ليس ملزومًا بك، فإن وجد فيك الرغبة في التعلّم والتدرّب
ورأى فيك الاهتمام بأخذ الفائدة منه، ورأى جديتك في الحضور، و ذا بحثٍ مستمر، سيأخذ
بيدك بلا ريب.
إذًا ما
السياسة التدريبية الأفضل للطالب؟
تعتمد السياسة التدريبية على عدد الساعات المحددة، والخطة الموضوعة (إن وجدت)،
ولكن كطالب ترغب بالتدريب التطوعي لن تكون ملزمًا بعدد ساعات محددة، فلك الحرية في
تحديدها مع المكتب.
و من خلال تجربتي اطلعت على عدة سياسات تدريبية، فمن المكاتب من يضع خطة متكاملة،
ومنهم من يعاملك كموظف فيعطيك المهام الموجودة (هذه السياسة المفضلة لديّ) ، ومنهم
من يعتمد على المدارسة النظرية فيعطيك ملف قضية منتهية متكاملة بجميع مستنداتها
وأوراقها ومذكراتها، وعليك قراءته من الجلدة إلى الجلدة وتدوين الملاحظات المهمّة،
وهذه برأيي أفضل طريقة يبدأ بها الطالب، فيطلع على كيفية تحرير الدعوى ثم المذكرات الجوابية ثم صك الحكم الأولي ثم مذكرة الاستئناف وانتهاءً بصك
الحكم النهائي، مرورًا بكلّ مستندات القضية، فيعيش معها الطالب وكأنّها حاضرة
أمامه، وأسبوعان بواقع يومين في الأسبوع كافية جدًا لهذه المرحلة، فينتقل بعدها
للتطبيق الفعلي، فيكون عونًا للمحامين في المكتب، وعلى المحامي أن يعطيه الثقة،
ويشعره بأهليته للعمل، ويتبادل الآراء معه، ولا أنسى عندما قالت لي المحامية التي
كانت مسؤولة عن تدريبي (أنا أعطيك الشي عشان أنا أحتاجه منّك فعلًا).
وأخيرًا
قد يشعر الطالب بعدم استعداديته للتدريب، أو بعدم وجود القدرات اللازمة لديه لأن
يتدرب في مكتب محاماة، إلّا أنّه لا يعي بأنّه (طالب)، هذه الميزة التّي تشرّع لك
خوض العديد من التجارب العملية مجرّدًا من عنصر الإلزامية، مباحٌ لك الخطأ بل هو
مطلوبٌ منك حتّى! ، مقدّرة هي محاولاتك أيًّا كانت، تملك الحريّة الكاملة إن لم
يعجبك المكتب فلك الانتقال إلى غيره، لك الحرية في التدرب في أكثر من مكتب في وقت واحد،
فرصك في التدريب أقوى من فرص المتخرج لأنك لست ملزومًا عليهم، ومجرّدًا من عبء رغبة
الحصول على وظيفة، فأنت طالب، طالب مجتهد فقط، فلكل طلبة القانون والشريعة،
اغتنموا ميزة كونكم طلّاب.
وختامًا، كُتِبت هذه الورقة من قِبل طالبة
على عتبات التخرّج، يتخلّلها شيءٌ من الحزن لقرب فقدها صفة طالبة، وتوديع مرحلة من
أمتع مراحل الحياة، وستبدأ بولوج المعترك الحقيقي للحياة، لذا ترجو من كلّ قارئ لهذه
الورقة الدعاء الخالص لها بالتوفيق، وما كان من خطأ فمنها ومن الشيطان، وما كان من
صوابٍ فمن الله، والحمد لله ربّ العالمين.
بقلم: سلوى
عثمان.
تعليقات
إرسال تعليق